الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

602

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

أشرك والنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لا يجوز عليه هذا ، واللّه تعالى ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء ، كما قال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ « 1 » الآية ، وما طردهم - صلى اللّه عليه وسلم - وما كان من الظالمين . وأما قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ « 2 » . فليس بمعنى قوله وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ « 3 » ، وإنما المعنى : لمن الغافلين عن قصة يوسف ، إذ لم تخطر ببالك ، ولم تقرع سمعك قط ، فلم تعلمها إلا بوحينا . وأما قوله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ « 4 » الآية . فمعناه : يستخفّك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم . والنزغ : أدنى حركة تكون ، كما قاله الزجاج . فأمره اللّه تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه ، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ به تعالى منه ، فيكفي أمره ، ويكون سبب تمام عصمته ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ، ولم يجعل له قدرة عليه . وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه ، لا في أول الرسالة ولا بعدها [ والاعتماد في ذلك دليل المعجزة ] « 5 » بل لا يشك النبيّ أن ما يأتيه من اللّه هو الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه اللّه له أو ببرهان يظهر لديه كما قدمته في المقصد الأول عند البعثة ، لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته . وأما قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ « 6 » الآية . فأحسن ما قيل فيها ما عليه جمهور المفسرين : أن التمني المراد به هنا : التلاوة ، وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 52 . ( 2 ) سورة يوسف : 3 . ( 3 ) سورة يونس : 7 . ( 4 ) سورة الأعراف : 200 . ( 5 ) زيادة من المصدر المنقول عنه ، انظر « الشفاء » للقاضي عياض ( 2 / 120 ) . ( 6 ) سورة الحج : 52 .